بن عيسى باطاهر
23
المقابلة في القرآن الكريم
وبعد الحديث عن بعض مفاهيم المقابلة عند عدد من الفلاسفة وعلماء الإسلام ، وهو بحث قد يطول لعمق الموضوع وسعته ، لا بدّ أن نقف عند آية من القرآن فيها حديث عن التضاد ، ثم نعرّج على أقوال بعض المفسرين فيها ، وقد لجأنا إلى هذا المنهج لاقتناعنا بأن القرآن الكريم جاء في أصول الدين وفروعه - في الدلائل والمسائل - بأكمل المناهج كما قال ابن تيمية ( - 728 ه ) رحمه اللّه « 1 » . قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات : 49 ] ففي الآية حديث عن خلق الأشياء وفق قانون الزوجية ثم ذكر الغاية من هذا الخلق وهي التذكّر ، والمقصود بالزوجية التقابل بين الضدين كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، ومنهم الفخر الرازي ( - 606 ه ) الذي يقول في تفسيره : « الزوجان إما الضدان ، فإنّ الذكر والأنثى كالضدين ، والزوجان منهما كذلك ، وإما المتشاكلان ، فإن كل شيء له شبيه ونظير ، وضد وند ، قال المنطقيون : المراد بالشيء الجنس ، وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان ، فمن كل جنس خلق نوعين من الجوهر مثلا : المادي والمجرد ، ومن المادي النامي والجامد ، ومن النامي المدرك والنبات ، ومن المدرك الناطق والصامت ، وكل ذلك يدلّ على أنه فرد لا كثرة فيه ، وقوله : « لعلكم تذكرون » أي : لعلّكم تذكرون أنّ خالق الأزواج لا يكون له زوج ، وإلا لكان ممكنا فيكون مخلوقا ولا يكون خالقا » « 2 » . وذكر الزمخشري أن المراد بالزوجين السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ، والبر والبحر ، وعدّد أشياء وقال : كل اثنين منها زوج ، واللّه تعالى فرد لا مثل له « 3 » .
--> ( 1 ) الفتاوى - ج 2 - ص 8 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي - ج 28 ص 227 . ( 3 ) الكشاف - ج 4 - ص 404 .